العيني
100
عمدة القاري
الآباء عن الأبناء . قوله : ( إنه دفن لصلبي ) أي : من ولده دون أسباطه وأحفاده . قوله : ( مقدم الحجاج ) هو : ابن يوسف الثقفي وكان قدومه البصرة سنة خمس وسبعين ، وعمر أنس حينئذ نيف وثمانون سنة ، وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث ويقال : اثنتين ، ويقال : إحدى وتسعين ، وقد قارب المائة . فإن قلت : البصرة منصوبة بماذا ؟ ولا يجوز أن يكون العامل فيها لفظ مقدم لأنه اسم زمان وهو لا يعمل ؟ كذا قاله الكرماني قلت : فيه مقدر تقديره زمان قدومه البصرة ، والمقدم هنا مصدر ميمي فالكرماني لما رآه على وزن اسم الفاعل ظن أنه اسم زمان ، فلذلك تكلف في السؤال والجواب ، وأما لفظ مقدم فإنه منصوب بنزع الخافض تقديره : إلى مقدم الحجاج أي : إلى قدومه ، أي : إلى وقت قدومه حاصله أن من مات من أول أولاده إلى وقت قدوم الحجاج البصرة ، بضع وعشرون ومائة ، وفق رواية ابن أبي عدي : نيفا على عشرين ومائة ، وفي رواية البيهقي ، من رواية الأنصاري عن حميد : تسع وعشرون ومائة ، وعند الخطيب في رواية الآباء عن الأولاد ، من هذا الوجه : ثلاث وعشرون ومائة ، وفي رواية حفصة بنت سيرين : ( ولقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة ) ، وفي ( الحلية ) أيضا من طريق عبد الله بن أبي طلحة ( عن أنس ، قال : دفنت مائة لا سقطا ولا ولد ولد ) . ولأجل هذا الاختلاف جاء في رواية البخاري : ( بضع وعشرون ومائة ) ، فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع ، وقال ابن الأثير : البضع في العدد ، بالكسر ، وقد يفتح : ما بين الثلاث إلى التسع ، وقيل : ما بين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد ، وقال الجوهري : تقول بضع سنين وبضعة عشر رجلاً فإذا جاوزت لفظ العشر لا تقول : بضع وعشرون . قلت : الذي جاء في الحديث يرد عليه وهو سهو منه ، وكيف لا وأنس من فصحاء العرب ، وأما الذين بقوا ، ففي رواية إسحاق ابن أبي طلحة ( عن أنس : وأن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة ) ، رواه مسلم . ذكر ما يستفاد منه فيه : حجة لمالك والكوفيين منهم أبو حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، أن الصائم المتطوع لا ينبغي له أن يفطر بغير عذر ولا سبب يوجب الإفطار . فإن قلت : هذا يعارض حديث أبي الدرداء حين زاره سلمان ، رضي الله تعالى عنه ، وقد تقدم قلت : لا معارضة بينهما لأن سلمان امتنع أن يأكل إن لم يأكل أبو الدرداء معه ، وهذه علة للفطر ، لأن للضيف حقا ، كما قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( إن الصائم إذا دعي إلى طعام فليدع لأهله بالبركة ) . ويؤنسهم بذلك لأن فيه جبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده . وفيه : جواز التصغير على معنى التعطف له والترحم عليه والمودة له ، بخلاف ما إذا كان للتحقير فإنه لا يجوز . وفيه : جواز رد الهدية إذا لم يشق ذلك على المهدي ، وإن أخذ من ردت عليه ليس من العود في الهبة . وفيه : حفظ الطعام وترك التفريط . وفيه : التلطف بقولها : خادمك أنس . وفيه : جواز الدعاء بكثرة الولد والمال . وفيه : التاريخ بولاية الأمراء ، لقوله : مقدم الحجاج ، وقد بينا وقت قدومه . وفيه : مشروعية الدعاء عقيب الصلاة . وفيه : تقديم الصلاة أمام طلب الحاجة . وفيه : زيارة الإمام بعض رعيته . وفيه : دخول بيت الرجل في غيبته لأنه لم يقل في طرق هذه القصة : إن أبا طلحة كان حاضرا . قلت : ينبغي أن يكون هذا بالتفصيل ، وهو أنه إذا علم أن الرجل لا يصعب عليه ذلك جاز ، وإلاَّ لم يجز وليس أحد من الناس مثل سيد الأولين والآخرين . وفيه : التحديث بنعم الله تعالى والإخبار عنها عند الإنسان ، والإعلام بمواهبه وأن لا يجحد نعمه ، وبذلك أمر الله في كتابه الكريم حيث قال : * ( وأما بنعمة ربك فحدث ) * ( الضحى : 11 ) . وفيه : بيان معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه لأنس ببركة المال وكثرة الولد مع كون بستانه صار يثمر مرتين في السنة دون غيره . وفيه : كرامة أنس ، رضي الله تعالى عنه . وفيه : إيثار الولد على النفس وحسن التلطف في السؤال . وفيه : أن كثرة الموت في الأولاد لا تنافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم . وفيه : التاريخ بالأمر الشهير . 90 - ( حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا يحيى قال حدثني حميد قال سمع أنسا رضي الله عنه عن النبي ) هذا طريق آخر وقع هكذا بقوله حدثنا في رواية كريمة والأصيلي فيكون موصولا وفي رواية غيرهما وقع هكذا قال